السبت، 8 نوفمبر 2014

توافق ديمقراطي لا ديمقراطية توافقية

فرق كبير وجوهري بين التوافق الديمقراطي الذي يقصد به نوع من التراضي العام على مبادئ وأسس وقواعد التطور الديمقراطي، والديمقراطية التوافقية والتي يتم اللجوء إليها في بعض الدول المنقسمة ثقافيا، حين تكون الإنتماءات الدينية أو الطائفية أو العرقية عائقاً أمام بناء نظام ديمقراطي.
ويكمن الفرق في أن التوافق الديمقراطي يحدث بين أحزاب وقوى وجماعات واتجاهات سياسية وأيدلوجية ،أي يدور الخلاف بينها حول مواقف وبرامج يختارها أنصارها بإرادتهم، وليس حول هويات أولية يولدون بها . وربما يجوز تشبيه هذا التوافق  بالاساس الخرساني  الذي يوضع تحت الارض عند بناء أي مبنى، فحين نشرع في مثل هذا البناء يجوز أن نختلف على كل شئ فيه، إلا مواصفات ومستلزمات الأساس الذي يقام عليه المبنى، فإذا اختلفنا على هذا الأساس يكون ما نفعله مقدمة لانهيار المبنى فور بنائه .
والنظام السياسي الديمقراطي لا يختلف في الجوهر ، إذ يجوز أن نختلف على كل شئ فيه فيما عدا المقومات الأساسية للدولة التي بنبغي أن نتوافق عليها ،لأنها لا تتغير من انتخابات لأخرى ،فلا يمكن أن تؤدي انتخابات مثلا إلى دولة دينية فيما تقود الانتخابات التالية لها إلى دولة علمانية. فهناك مقومات نتوافق عليها ولا يغيرها احدنا بمفرده ،حتى إذا حصل على أغلبية كبيرة .
والتراضي العام الذي يتركز بهذا المعنى في مقومات الدولة ، ينصرف أيضاً إلى المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي والاجتماعي والمحددات الرئيسية لتنظيم العلاقة بين أطرافه سواء بين الحكم والمعارضة ،أو بين قوى المعارضة بعضها البعض، وهو ما يعرف عموما بقواعد اللعبة . فلا فرق في الجوهر بين التنافس السياسي والثقافي والفكري والتنافس في أي مجال من مجالات الحياة ،ولا يستقيم أي تنافس بدون قواعد ينطلق منها المتنافسون ويعودون إليها كلما اقتضى الأمر ،فإذا لم يرتض فريقان، وهما في الملعب ، القانون الذي ينظم اللعبة ،تنتفي اهم مقومات التنافس وتنهار المسابقة التي يلعبان في إطارها ،وكذلك الحال إذا ارتضى أحدهما هذا القانون بينما أراد الثاني تطبيق قانون ينظم لعبة أخرى مختلفة .ولذلك نقول أنه من الصعب المضي قدما نحو إطلاق التنافس السياسي دون قيود في غياب توافق عام أو تراض عام على بعض من أهم مقومات الدولة .
ولهذا فالتراضي العام يعتبر ذو اهمية محورية في النظام الديمقراطي تحديداً ، حيث لا مجال له في النظم الأوتوقراطية الفردية ، التي يفرض فيها نظام الحكم ما يرتضيه هو دون غيره ،في الغالب الاعم ، فالتراضي هو بطبيعته عمل من أهم الأعمال الديمقراطية بل يجوز القول انه العمل المؤسس لأي ممارسة تستحق أن توصف بأنها ديمقراطية وذلك لسببين :
أولهما أنه يتحقق عبر حوار لا يمكن أن يستمر ويثمر بدون التزام حقيقي بالديمقراطية من أطرافه كافة .أما السبب الثاني فهو أن الديمقراطية التي تفتقد إلى التراضي، تصبح صعبة المنال أو قابلة للتعثر السريع أو الانتكاس الفوري، فالديمقراطية لا تمارس في الهواء وإنما على أرض محدده ،وإذ لم تكن هذه الأرض ثابته فهي تميد بمن يقف عليها ،وأخطر ما يواجه أي تطور ديمقراطي هو ان يظن أطرافه أو بعضهم أن الديمقراطية هي بمثابة تنافس منفلت من أي قواعد ومعايير ،وأن الشعب يختار من يريده بين المتنافسين بمنأى عن اطار ينظم التنافس ويحدد ما هو ثابت لفترة معينة وما هو متغير .
ولذلك يحدث التوافق الديمقراطي عادة على مبادئ وقواعد يلتزم الجميع بها لضمان سلامة العملية الديمقراطية واستمرارها وتجنب ما يمكن ان يؤدي إلى تعثرها أو انتكاسها بغض النظر عن نتائج الانتخابات ومن يفوز بها او يخسر . وهناك العديد من الامثلة على هذا النوع من الديمقراطيات في العالم وخاصة في الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وتركيا والتي قامت فيه الانظمة ببناء نظام سياسي يتوافق عليه الجميع وتكون مرجعيتهم في ذات الوقت للدولة المدنية المركزية .
 أما الديمقراطية التوافقية فقد ظهرت عندما انتشرت الأنظمة الديمقراطية بشكل كبير خلال القرن الماضي خارج القارة الأوروبية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب فشل الأنظمة غير الديمقراطية، وحدوث حالة واسعة من النمو والانتعاش الاقتصادي وتطور الثقافة السياسية،وقد حدثت هذه التطورات في مجتمعات تتميز بانقسامها الشديد والواضح. وبدأ التفكير جدياً في كيفية إيجاد حلول سياسية تساهم في ضمان تحقيق الديمقراطية بشكل يضمن أقصى درجات الاستقرار السياسي، ويحول دون حدوث صراعات في هذه المجتمعات. البعض حينها اهتم بكيفية استخدام الحكم الذاتي أو الفيدرالية، بحيث تكون الفرصة متاحة للأكثرية وللأقليات غير المتجانسة في الوقت نفسه للمشاركة السياسية في الحكم. وكانت النتيجة القدرة على تحقيق التوافق بين مكونات المجتمع، ومن أمثلة ذلك بلجيكا، والنمسا، وسويسرا،وكندا،وهولندا. ومن العالم العربي كانت لبنان نموذجا لهذا النوع من الديمقراطيات .
ان الديمقراطية التوافقية تفترض اتفاقا على ترتيبات اجرائية محددة لضمان تمثيل مختلف الهويات الموجوده في المجتمع ،بما في ذلك تلك التي يقل عدد المنتمين اليها ،  فهي شكل من أشكال الحكم المطبقة في بعض البلدان غير المتجانسة شعبيا .وهي تقضي بإعطاء حق الحكم بالتوافق فيما يتعلق ببعض الأمور الأساسية للجماعات المتمايزة عن بعضها البعض ، والمكونة في مجموعها للدولة ، والتمايز يكون سببه عادة اختلافا في الأصول الاثنية أو اللغوية . ويزداد التمايز عندما تكون لدى كل جماعة هواجس معينة تجعلها خائفة دوما من احتمال طمس هويتها من قبل الجماعات الأخري، أو ذوبانها ضمن الأغلبية السكانية أو الانتقاص من حقوق افرادها الخاصة أو العامة فيتماسك الأفراد داخل كل جماعة مكونين بذلك قوة سياسية تتنافس مع غيرها من القوى الأخرى مثيلاتها ، وقد يصل بهم الأمر إلى حد التعصب لهويتهم الخاصة أو العامة فيتماسك الأفراد داخل كل جماعة مكونين بذلك قوة سياسية تتنافس مع غيرها من القوى الأخرى مثيلاتها ،وقد يصل بهم الأمر إلى حد التعصب لهويتهم الخاصة بهم فيشعر الموطن نتيجتها أن له هويتين ، هوية نابعة من انتمائه إلى جماعته وأخرى نابعة من انتمائه السياسي إلى الوطن الذي يحمل جنسيته، وعندما تحتدم العصبيات بين الجماعات يتنازع الفرد هاتين الهويتين،  بحيث تطغى في الغالب هويته الخاصة ،ذات الطبيعة العنصرية الضيقة ، على هويته الوطنية وهنا يتوزع شعب هذه الدولة بين قوى سياسية لكل منها خلفياتها وخصوصياتها التي تجعلها مختلفة أو متمايزة عن غيرها،  ويتم اللجوء إلى التوافق في حال انعدمت الثقة المتبادلة بين هذه القوى الخائفة من بعضها البعض أو في حال عجزت هذه القوى المتنافسه عن تحديد الغايات والآمال المشتركة التي تكفل عادة جميع المواطنين وصهرهم ضمن بوتقة وحدة وطنية صلبة ومتماسكه . فهي تعتبر نوع من الكونفدرالية حيث تؤخذ الآراء بالإجماع ،ويكون لكل جماعة فيتو يمنع صدور أي قرار في الأمور المصيرية من دون موافقتها . وقد كان النموذج اللبناني دليلا على هذا النوع من الانظمة السياسية التي تطبق هذا النوع من الديمقراطية دون ان تكون هناك تربة قادرة على استيعاب هذه الفروق الاثنية والطائفية الواضحة بين اطياف المجتمع بسبب عدم نضج ثقافة ديمقراطية قادرة على قبول الآخر والتعايش معه في اطار من الدولة المدنية التي تجمع كل الطوائف والممل والأعراق في بوتقة واحده .

لذا فأنه رغم نجاح بعض الأنظمة في أوربا وامريكا الشمالية في تطبيق نموذج الديمقراطية التوافقية فإن امراً مثل ذلك من الصعب تطبيقة في دول العالم الثالث عموما، وفي المنطقة العربية عموما، نظراً لوجود قدر كبير من الانقسامات الدينية والطائفية والقبلية والجهوية،بالإضافة الى أن ثقافة هذه الشعوب لم ترتق بعد لتجعل من الدولة المدنية مرجعاً لها ،في حالة التعارض مع الانتماءات الطبيعية( ا لاثنية ، الدينية ، الطائفية.... الخ ) . وبالتالي عدم وجود ثقافة ديمقراطية تقبل الآخر وتتسامح معه ،قد  يجعل إقامة هذا النوع من الأنظمة مقدمة للبننة أخرى أو عرقنة (مثل العراق )وهو ما قد يؤدي للدولة مستقبلاً إلى الانهيار والتفسخ . وهو ما لا يستوى مع الهدف الذي من أجله كانت الديمقراطية التوافقية . 

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

دلالات نتائج انتخابات تونس

وأخيراً بدأ الربيع العربي ينتعش مرة أخرى بعد فترة اختناق استمرت على مدى سنوات عديدة وها هي تونس كالعادة تغرد من جديد وتثبت أن تونس دائما هي الرقم الصعب في المعادلة الديمقراطية العربية ، فقد جاءت الانتخابات التونسية افراز لرحلة شاقة وطويل من الشد والجذب بين قوى سياسية مختلفة ، وبقراءة سريعة لهذه النتائج نستطيع أن نخرج بالملاحظات التالية : • أنها اثبتت أن المجتمع المدني القوي يفرز قوى سياسية قوية والعكس صحيح . فلولا دور الحركات والنقابات العمالية والأحزاب السياسية في تونس لما مرت عملية التحول الديمقراطية بتلك السلاسة والسلمية. • أن ادماج المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية قد جر الويلات على الدول التي فعلت ذلك حيث ارتبطت مصالح هذه المؤسسة بفكرة الربح والخسارة من أنشطتها المدنية وبالتالي ظهرت مصالحهم في القوة السياسية التي يجب ان تتصدر المشهد السياسي في الدولة التي يعملون بها مثل مصر على عكس الحال في تونس التي اكتفت مؤسساتها العسكرية بدور المراقب من بعيد والحامي للعملية الديمقراطية في البلاد. • أن الاعتماد على القوة المسلحة في حسم الخلافات السياسية لا يأت إلا بالدم كما حدث في مصر وسوريا والعراق واليمن . ولم يحدث في تونس التي فضلت كل النخب السياسية فيها اللجوء إلى قوة الاقناع والحجة والحوار الديمقراطي السلمي الخلاق بديلا للإقصاء والعنف السياسي . • أن هناك فرق بين دولة محورية تتجه كل الأنظار للتغييرات فيها بل وتشارك في عملية التغيير أحيانا مثل مصر وسوريا والعراق ودولة طرفيه مثل تونس تترك لتقرر حالها بيدها . • أن الاسلاميين هم الرقم الصعب في أي معادلة ديمقراطية، فهم إن لم يكونوا اقوى حركة سياسية فهم على الأقل ثاني أكبر قوة سياسية في الدول العربية وبالتالي فإن تهميشهم أمر شديد الخطوره على الاستقرار السياسي وعملية التحول الديمقراطي في أي دولة . • أن الاسلاميين في تونس أثبتوا أنهم أكثر استنارة من نخب تدعي الديمقراطية والمدنية حيث قبلوا بنتائج الانتخابات فور اعلانها ولم يحاولوا التشكيك فيها أو الانقلاب عليها كما حدث في مصر . • ان دولة منفتحه مثل تونس احتكت بالثقافة الغربية عموما والفرنسية خصوصا على مدى عقود طويلة استطاعت أن تخلق حركات اسلامية ومدنية اكثر براجماتية ومرونة في التعامل مع الواقع السياسي العربي المعقد والمثقل بثقافة احادية شمولية . على عكس دول منغلقة تدعي التحضر والمدنية وترجع جذورها الى حضارات قديمه مضت . • أن عملية التحول الديمقراطي تحتاج إلى النفس الطويل الذي يكفل عملية اعادة توعية الشعوب حتى تعرف ما هو الصواب ؟ وما هو الخطأ ؟ اما القفز فوق إرادات الشعوب بحجج انتشار الأمية وانخفاض مستوى الوعي فقد ثبت فشله ولم يجر على دول أصحاب هذا الاتجاه سوى الخراب كما حدث ويحدث في مصر المحروسة . • أن الانتخابات التونسية أثبتت أنه لا يوجد في العالم ا لعربي قوى سياسية حقيقية سوى الاسلاميين ومن شايعهم وقوى النظام السابق ومن سار على هداهم، وما عدا ذلك فهي حركات كرتونية لا قيمة لها إلا الصوت الزاعق الذي ينتهي بإنتهاء مثيره الوهمي كما حدث مع جبهة الانقاذ في مصر . مبروك لتونس ولا عزاء لقوى التخلف العربي

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

كلمة السر ... راجح

فيلم بياع الخواتم هو احد الافلام الغنائية للرائعين فيروز ونصري شمس الدين وهو يحكي بشكل غير مباشر قصتنا الان مع الارهاب ، فالخال وهو هو في هذه المسرحية نصري شمس الدين هو أحد اعيان القرية التي تسكنها بنت اخته فيروز وباقي اهالي القرية ، إالا ان هذا الخال كانت له تطلعات للسيطر على لاقرية بكل مقدراتها حيث يريد ان يكون زعيما لها بدون منافس ، في هذه الاجواء بدأ الناس تتحدث عن قاطع طريق اسمه راجح وهو الشخص الذي لم يره أي احد سوى خال فيروز ،والذي كان يتحدث دائما عن صولاته وجولاته مع هذا الراجح وكيف انه لولاه –أي الخال- لتمكن راجح من القرية وخربها وقتل من فيها وسرقها ونهبها ... الخ وهو ما دفع الاهالي بتمجيد وتأليه شخصية الخال حامي حمى القرية واختاروه زعيما ملهما واحدا لا منافس له .. وتسير القصة ويبدا الناس في الاذعان الكامل للخال بحجة انه حامي القرية من خطر راجح ولولا وجود هذا الخال لكانت القرية ضحية للراجح السفاح قاطع الطريق ، وفي مساء احد الايام الممطره عزمت فيروز بنت الاخت على الخروج لتقضي بعض الاشياء الا انها خشيت من ان يعترض طريقها هذا الراجح وذهبت لخالها لتخبره بخوفها هذا ، الا انها فوجئت برد خالها الذي صرح لها بحقيقة هذا الراجح وهو السر الذي اخفاه عن جميع من في القرية وهو انه لا يوجد شئ اسمه راجح من الاساس وانه اخترع هذه القصة لان اهل القرية يحتاجون زعيم، وفي ذات الوقت هو يريد ان يكون زعيما لهذه القرية ،ولكن هذا الزعيم لن يؤمنوا به الا اذا حماهم من خطر ما ،وما دام الخال يريد ان يكون زعيم فمن الممكن اختراع قصة راجح وخطره ليكون بذلك مقدمة للسيطرة على اهل القرية والحجة حمايتهم من خطر قاطع الطريق المسمى راجح .. وهو ما حدث بالفعل فقد خضع كل اهل القرية للخال وتخلصوا من اي معارض يشكك في قصة راجح تلك ويمجدوا في شخص راجح بالشكل الذي يمنع اي شخص في التفكير أو حتى التشكيك في صفات ومزايا الخال العظيمة غير القابلة للنقاش ، ويصبح اي معارض للخال اما مجنون او خائن للقرية واهلها ....... هذه هي المسرحية اما الواقع فهو السيسي وقصة الارهاب هذا الخطر الذي اخترعه السيسي وصدقه من يريدون ان يعيشوا دائما في كنف منقذ وهمي مستبد وطاغية يرعاهم كما يرعى الراعي الابل ،فهو حامي مصر من خطر الارهاب ولولا السيسي لصارت مصر مثل سوريا أو العراق او ليبيا او لبنان..... الخ .ان خطر الارهاب الذي يحاول السيسي تصديره خوفه لنا ، هو هذا الراجح الذي اخترعه الخال ليحكم اهل القرية فهنيئا للسيسي بشعب راجح. وهنئيا لشعب السيسي بنعمة الخوف التي انعم السيسي عليهم بها . وكلمة السر راجح .

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

العسكرة رغم انف الجميع

في مسرحيته الشهيرة "الزعيم" يسأل الفنان عادل امام نفسه أمام الجمهور سؤال ويجيب عليه بنفسه والسؤال هو "لماذا قمنا بالثورة؟" ثم يجيب نفسه بنفسه" أنا مش عارف لماذا قمنا بالثورة انا كنت نايم ساعتها " . ورغم هزلية الحوار وفكاهيته إلا أنه يبدو أنه ينطبق إلى حد كبير على العديد ممن شاركوا فيما أطلقوا عليه في حينه ثورة 30 يونية ، فقط كانت المطالب الجوهرية هي انتخابات رئاسية مبكرة ، وتعديل الدستور الذي في رأيهم قد احتوى على العديد من النصوص التي تنفي عن الدولة مدنيتها ، سواء المدنية المضاده للديني او المدنية المضادة للعسكري ، ففي رأي البعض منهم أن دستور 2012 قد اعطى للمؤسسة العسكرية بعض الحقوق التي لا تستحقها ،وهو ما شكل عند العديد من الحقوقيين انتكاسة كبيرة على حد زعمهم لثورة يناير ،وما نتج عنها من أحلام وردية بالحرية والمساواة ، ونهاية الحكم العسكري لمصري الذي امتد على مدار اكثر من ستين عاما . ولكن هل حقق الدستور الجديد أو المعدل أحلام هؤلاء؟ في هذه السطور سوف نحاول الإجابة على هذا السؤال بقراءة في التعديلات التي قامت بها الجنة المعينة من قبل رئيس الجمهورية المؤقت والمعروفة اعلاميا باسم لجنة الخمسين . الموازنة العامة للمؤسسة العسكرية اعتقدت أن هؤلاء الذين خرجوا ينادون بسقوط حكم العسكر ويتهمون نظام ما قبل الانقلاب العسكري بمهادنة الجيش خوفا وطمعا، أن يخرجوا علينا بمواد أكثر مدنية، أو إن شئت الدقة أكثر تحررا من هيمنة المؤسسة العسكرية،والتي جعلها نظام ما قبل الانقلاب العسكري دولة فوق الدولة على حد تعبير المنتقدين لدستور الجمعية التأسيسية المنتخبة .ولكن امراً من ذلك لم يحدث، ففي المادة الخاصة بمناقشة الموازنة العامة للقوات المسلحة نصت مادة دستور 2012 وهي المادة رقم 195 على وجود مجلس دفاع وطني من مهامه مناقشة الموازنة العامة للقوات المسلحة ووضعها رقماً واحداً في الموازنة العامة للدولة ، وهي في ذلك تسحب حق مجلس النواب في مناقشة الموازنة العامة للقوات المسلحة،من خلال مجلس معظمه من المعينين ،بالإضافة إلى هيمنة العسكريين على تشكيل المجلس فهو يضم سبعة مدنيين هم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيسا مجلسي النواب والشوري ووزراء الخارجية والداخلية والمالية ، ويضم من العسكريين ثمانية وهم وزير الدفاع ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع . وانتظرنا في دستور المدنيين تخفيفاً ولو محدودا للهيمنة العسكرية، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث ،حيث نصت المادة 203 على تشكيل ذات المجلس ،وان تراجعت هيمنة المدنيين قليلا فبعد أن كان سبعة مدنيين في مقابل ثمانيين عسكريين في دستور 2012 صارت ستة مدنيين في مقابل ثمانية عسكريين بعد إلغاء مجلس الشورى وإلغاء منصب رئيسه معه . ورغم أن المادة قد حاولت استدراك الامر بنصها أنه عند مناقشة موازنة المؤسسة العسكرية ينضم لعضوية المجلس كل من رئيسا لجني الأمن القومي والموازنة وهما مدنيين ، إلا انها اضافت ايضا رئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة ،ليحافظ العسكريين على أغلبيتهم بمعدل تسعة عسكريين الى ثمانية مدنيين . الأمر الذي يجعل أمر ميزانية الجيش بعيد عن رقابة المؤسسة المنتخبة وكأن انقلابا لم يحدث !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! المحاكمات العسكرية وتأتي المفاجأة الأكبر وهي الخاصة بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري ، فرغم الانتقادات الحادة لدستور 2012 في أنه سمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ، إلا أنه بقراءة متأنية لنص المادة والتي حملت رقم 198 في دستور 2012 نجدها لم تشر إلى محاكمة مدنيين أمام المحاكم العسكرية إلا بقولها " ويجوز استثناء محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى فى الحالات التى يحددها القانون، ويبين القانون اختصاصاتها الأخرى، وذلك كله فى حدود المبادئ الواردة بالدستور" أي ان الدستور ترك مهمة محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية للمشرع القانوني فإن شاء أباحها وإن شاء رفضها . بل إن الدستور قد قيد حق المشرع بقوله أن ذلك يتم في حدود المبادئ الورادة بالدستور . أما دستور 2013 فلم يترك الأمر للمشرع القانوني ونصت مادته التي حملت رقم 204 تحديدا واضحا للمدنيين الذين من الممكن محاكمتهم عسكريا وشملت قائمة الجرائم سلسلة الجرائم التي تمثل اعتداءا مباشرا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة لذلك أو معداتها أو مركباتهم أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد أو الجرائم التي تمثل اعتداءا مباشرا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم . أي ان الدستور هنا قد جعل أي جريمة طرفها عسكري والآخر مدني يحاكم المدني أمام المحكمة العسكرية رغم تشكيلها وآليات العمل داخلها وعدم شفافية اجراءاتها ، ومع ذلك فإن بعض من الثوار ما زالوا يرددون هتافاتهم التي ملأت الدنيا ضجيجا في عهد أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر بأن يسقط يسقط حكم العسكر ،وكأن انقلابا لم يحدث !!!!!!!!!!!!!!!!!!!! وزير دفاع بدرجة رئيس جمهورية إلا أن المادتين المذكورتين رغم دعمهما الواضح لهيمنة المؤسسة العسكرية لا تشكل تأثيرا كبيرا على الدور المتضخم للم}سسة العسكرية في الدستور اذا قورنت بالمادة 234 ، والتي أتت بالقول الفصل في أننا بالفعل أمام دستور من نوع خاص . يشرع لهيمنة المؤسسة العسكرية ويحصن المسئولين فيها أكثر من حصانة رئيس الجمهورية المنتخب ذاته ، فقد نصت المادة على أن يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور . وهذا يعني انه ليس من حق رئيس الجمهورية المنتخب تعيين وزير الدفاع ولا حتى عزله ، أي أنه مهمها فعل هذا الوزير حتى ولو هزم في حرب او أخل بواجباته الوظيفية اخلالا جسميا فإنه ليس من حق رئيس الجمهورية بأي حال من الأحوال عزله أو حتى تحويله للمحاكمة، فالأمر كله بيد المجلس الأعلى للقوات المسلحة ،الذي صار بهذه المادة ،دولة داخل الدولة، أو إن شئت الدقة دولة فوق الدولة لمدة ثمانية سنوات لا يعلم ما سيحدث فيهم إلا الله والمجلس الأعلى للقوات المسلحة . وفي الختام فإن دستورا يتم صياغة مواده في ظل هذا الاحتقان المجتمعي المتوتر ، يجعل من القائمين عليه بين اختيارين إما ان ينتصروا للإرادة الشعبية التي ليس لها أي فضل عليهم فقد جاءوا معينين بالكامل من رئيس الجمهورية المؤقت المعين بدوره من وزير الدفاع في كوميديا قل أن تحدث في تاريخ الأمم والشعوب،أو ينتصروا لإرادة من عينهم وهو الأمر الأكثر واقعية واتساقا مع توازنات القوة المادية بين من يملكون السلاح ومن يملكون الإرادة . ولكن ابدأ لن تكون الدساتير أداة لإخضاع إرادة أمة مهما تجبر المتجبرين وصاح المطبلين وراقصيهم.

الأحد، 24 نوفمبر 2013

العنف السياسي في مصر .........من الثورة إلى الانقلاب

مرت كل الثورات التي حدثت في تاريخ الإنسانية بمراحل طويلة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي،هذه الحالة ظهرت بأشكال متعددة فمنها من أخذ شكل الصراع بين الطبقات الغنية والفقيرة مثل الثورة البلشفية في روسيا،ومنها من اخذ شكل صراع بين النظام السابق والنظام الذي حكم بعد الثورة،ومنها ما اخذ شكل صراع بين علمانيين ودينيين مثل الثورة الايرانية،ومنها ما اخذ صراع بين العسكر والمدنيين كما حدث ويحدث في العديد من الدول الافريقية. إلا انه بقدر سلمية الصراع ،بقدر قدرة الثوار على ادارة المرحلة الانتقالية حتى تثبيت اركان النظام الجديد،ولكن بتحول هذا الصراع إلى اشكال عنيفة، فإن الامر قد يتطور بشكل سلبي قد يصل إلى تهديد كينونة الدولة في حد ذاتها.بسبب تطور هذا العنف احيانا وتحوله إلى حرب اهلية ممتدة،قد تؤدي بين ما تؤدي إلى تفتيت وحدة الدولة ذاتها. من الصراع السلمي إلى العنيف وفي مصر ومنذ ثورة 25 يناير 2012 والبلاد تعيش على فوهة بركان ساخن،ادى إلى حالة مستدامة من عدم الاستقرار على كافة المستويات،فتارة صراع بين العسكر والثوار،،وتارة صراع بين ثوار وفلول،وتارة صراع بين علمانيين واسلاميين.الا انه كان أهم ما يميز كل انواع هذه الصراعات انها كانت صراعات سلمية في معظم الاحيان،وإن تخللها قدر محدود من العنف الذي يذهب ضحيته افراد هنا او هناك،ومع ذلك فقد ظل الأمر في نطاق الصراع المنضبط الذي لم يتطور ليصبح حالة عنف عامة في المجتمع. ولكن باندلاع أحداث 30 يونية وما قبلها بأسابيع،بدأ الصراع ياخذ منحى آخر،فقد زادت حدة العنف،وتحول من عنف ضد مؤسسات الدولة إلى عنف بين جماعات واتجاهات سياسية مختلفة،ووقفت الدولة بمؤسساتها الامنية والعسكرية متفرجة حينا ومشاركة احيانا عدة في هذا العنف الموجه لفصيل سياسي معين وهو في حالتنا هذه جماعة الاخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة،ومن وقف في ذات خندقها من الحركات والاحزاب السياسية الاخرى وانتهى الامر ببيان وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي الذي تلاه في مساء الثالث من يوليو الماضي. إلا أن بعض الحالمين قد اعتقد أن الامر سينتهي عند هذه النقطة ويرضى كل طرف بما قسمه له السيسي واعوانه.ولكن شيئا من ذلك لم يحدث،فهذا النظام الذي نشأ بعد 3 يوليو لجأ إلى استخدام كل اساليب البطش والعنف والاقصاء لكل من ينتمون بشكل مباشر او غبر مباشر للسلطة المنتخبة قبل 3 يوليو،ووصلت ذروة هذا العنف إلى ما عرف بمذبحة ميداني رابعة العدوية والنهضة في محافظتي القاهرة والجيزة وما تلاهما من مذبحة في ميدان رمسيس احد اكبر الميادين في شوارع القاهرة.والتي وصفتها منظمة العفو الدولية بانها اكبر المذابح دموية في تاريخ مصر الحديث، الاستبداد كسبب مباشر للعنف السياسي واستمر مسلسل العنف وامتد إلى بقاع أخرى في المحروسة التي صارت غير محروسة بسبب عودة الأمن لاستخدام سلاح البلطجية والذي كان قد توقف عن استخدامه (بشكل مباشر )منذ قيام ثورة يناير،ودخلت سيناء المشهد بعد طول غياب،ولكن دخولها هذه المرة كان اكثر ضراوة وحدة،فاستخدمت الطائرات العسكرية والمروحيات والدبابات والصورايخ،وكأن حربا قد اندلعت من جديد،وتحول العنف من حالة استثنائية إلى ثقافة عامة داخل المجتمع...لانستثني من ذلك احدا. فالاستبداد الذي خلقته الدولة،أو بمعنى أدق السلطة الانقلابية ، كان سببا مباشرا في خلق حالة العنف في المجتمع،وهي ما دفعت المواطنين إلى الممارسة الفعلية له والذي يمثل العنف السياسي أحد أشكاله فالاستبداد في اي مجتمع يخلق مناخاً مسدوداً ديموقراطياً ولا يكون أمام الناس سوى العنف طريقاً للحصول على حقوقهم.ذلك أن حرمان القوى السياسية من حق التعبير السياسي الشرعي...وحق القوى السياسية في الحصول على حقها في تداول السلطة والمشاركة السياسية كل هذا يمثل مناخاً مواتياً للعنف.هذا بالاضافة للبعد الاقتصادي والذي قد يشكل نقطة الذروة في حالة العنف المتصاعد الآن،والذي يصعب حينها ايقاف تمدده. حيث أن ذلك قد يؤدي إلى القضاء على كل جسور الثقة بين القوى السياسية (انقلابيون/ / أحزاب / منظمات/حركات سياسية/ مجتمع مدني/إعلام ) ويعدم كل فرص الالتقاء بين القوى المتصارعة ويقضي على القواسم مشتركة بين الجانبين،وتوفر هذه الظاهرة روافد جديدة للصراع السياسي والعنف السياسي.قد يصعب ايقافه وعدم تطوره إلى صور اكثر عشوائية ودموية. ثلاث سيناريوهات مستقبلية إن هذه الحالة الكارثية التي يمر بها المجتمع المصري،والتي كانت نتيجة مباشرة للانقلاب العسكري الذي وقع في الثالث من يوليو الماضي،إن لم يتم التعامل معها برؤية وطنية تحتوي الجميع ،فان احتمال اشتعالها اكثر يصبح امرا قاب قوسين أو أدنى. لذلك فإنه وبافتراض استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه،فإن مستقبل الدولة المصرية يصبح أمام ثلاث سيناريوهات : الأول:هو حاله تشبه الحالة الجزائرية،إن لم تكن السورية،وهو تحول المجتمع إلى حالة الكل ضد الكل،مما قد يؤدي إلى تحول العنف العشوائي ،الواقع الأن في الشارع ،إلى عنف منظم خاصة مع توافر مصادر التسليح لكل طرف من أطراف الصراع السياسي الحالي،فالحدود المستباحة من الجهة الليبية أو السودانية أو حتى الاسرائيلية الفلسطينية،بالاضافة إلى الحدود البحرية،قد تسهل عملية تسليح الجماعات السياسية،وهو سيناريو ،إن تحقق، يجعل وحدة الدولة المصرية ذاتها معرضة للخطر للمرة الأولى منذ توحدها عام 3500 قبل الميلاد على يد الملك مينا.وهو سيناريو رغم كارثيته وتناقضه مع الطبيعة المصرية السمحه فإنه يبقى مطروحا ما دام أطراف العملية السياسية مصممين على التناطح غير المنضبط. السيناريو الثاني : يتمثل في حالة من العنف العشوائي ،الناتج عن ثورة جياع،تأكل الأخضر واليابس،وهو سيناريو له ما يبرر طرحه خاصة في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمر بالمجتمع ،والتي وان استطاعت المسكنات الخليجية تهدئتها، فإنها ابداً لن تستطيع القضاء عليها نهائيا.وهذا السيناريو في حالة تحققه قد يفتح الباب أمام صراع اجتماعي- اقتصادي ممتد بين من يملكون ومن لا يملكون. السيناريو الثالث : وهو إن شئنا تسميته ،فمن الممكن ان نطلق عليه ،السيناريو السوداني، والمتمثل في ظهور ما يعرف بسوار الذهب المصري،داخل المؤسسة العسكرية،يستطيع أن يقود انقلابا داخليا يستبعد على أثره الرموز التي شاركت في الانقلاب العسكري ويبدأ مرحلة جديدة بأجندة سياسية اكثر تسامحا وقبولا لكل أطراف العملية السياسية،وبخارطة طريق واضحة المعالم يستطيع من خلالها خلق مؤسسات منتخبة تعبر عن التوازانات السياسية الحقيقية على الساحة السياسية المصرية،ورغم أن هذا السيناريو لا يوجد ما يؤيده من معلومات،إلا أن استمرار وجود الجيش في الميادين ووقوفه ضد تيار سياسي معين وتورطه في عمليات عنف بهذا الشكل الحاد لأول مرة في تاريخه منذ إنشائه على يد محمد علي،قد يشجع بعض الضباط وخاصة من القيادات الوسطى على تبني هذا السيناريو والذي في رأي الكاتب سيكون أقل السيناريوهات دموية،واستيعابا لكل أطراف العملية السياسية.

الجمعة، 22 نوفمبر 2013

ليس بالانتخابات فقط تكون الديمقراطية..... ولكن

منذ احداث 30 يونية 2013 ومصر تعيش في مناظرات ومناقشات صاخبة حول توصيف ما حدث بعدها في الثالث من يوليو وهل هو انقلاب عسكري ام ثورة شعبية استجاب لها الجيش وخطط ودبر لها اعوانه من قوى المجتمع التقليدية منها والحديثة ، الا ان هذا المعسكر الاخير وهو من يعتبر ما حدث ثورة شعبية يثور ايضا جدل فيما بينهم حول مفهوم الديمقراطية ، وهل نظام ما قبل 3 يوليو 2013 كان نظاما ديمقراطيا وفشل ام انه لم يأخذ من الديمقراطية الا قشورها فقط والمتمثلة في حكم الصندوق بما له وما عليه ، وانقلب على كل قيم الديمقراطية الاخرى والمتمثلة في حرية الراي والتعبير واستقلالية المؤسسات والتغاضي عن حقوق الاقليات . بين هذا الفريق وذاك كانت الديمقراطية بما لها وما عليها محورا لمناقشات ساخنه ولكنها تبقى انها صاحبة قدرة نادرة بين غيرها من المفاهيم الاجتماعية -السياسية على التطور والتغير ، فهي ليست عقيدة جامدة ولا هي حقيقة مطلقة تعالج خارج إطار الزمان والمكان بل هي قيمة مرنة ونسبية تعبر عن نزوع الإنسان نحو الحرية وتطلعه إلى المساواة. لقد اخذت الديمقراطية صور وتطبيقات عديدة عبر تطور المجتمعات وتنوع ثقافاتها. وهو ما ادى الى انقسام المفكرين في ادراكهم لهذا المفهوم الى مدرستين وهما المدرسة الإجرائية وهي المدرسة التي تهتم بالشكل على حساب الجوهر وهناك المدرسة الموضوعية التي تهتم بالشكل والجوهر ايضا . ففي المدرسة الأولى وهى ما تعرف بمدرسة الديمقراطية الإجرائية ترتبط الديمقراطية – وجوداً وعدماً – بعدد من الترتيبات والإجراءات التي تشمل حق التصويت للجميع، وانتخابات دورية نزيهة، ووجود مجتمع مدني قوي، والفصل بين السلطات، وحرية تداول المعلومات، واحترام الحقوق المدنية الأساسية. ويرى أنصار هذا الرأى إن جوهر عملية الانتقال الديمقراطي هو إقامة هذه المؤسسات وحمايتها والعمل على استمرارها. ووفقاً لهم، فإن الديمقراطية هى مجموعة من الترتيبات والإجراءات لانتخاب أشخاص يمارسون السلطة بحكم اختيارهم من الشعب في انتخابات تنافسية حرة. أما المدرسة الثانية وهي المدرسة الموضوعية فإنها تنطلق من الاعتراف بأن إقامة تلك المؤسسات هو شرط ضروري ، ولكنه غير كاف لتحقيق الديمقراطية، وأنه من الضروري ان نضع في الاعتبار الثقافة الديمقراطية للمجتمع ، ودور السلطة في تعزيز هذه الثقافة بما تتيجه من حرية راي وتعبير ، وتشجيعها لحالة من الحوار الدائم والايجابي بين كافة اعضاء المجتمع . لأنه إذا كان هدف الديمقراطية هو صون حرية الإنسان وحقوقه وكرامته، وتحقيق المساواة في فرص الحياة بين الجميع، فإنها لا يمكن أن تتحقق بإقامة المؤسسات والإجراءات وحسب، ولكن بالتأكد من الشق الكيفي أي ماذا ادت اليه الانتخابات؟ ومن أوصلته للحكم؟ وماذا حقق بالنسبة لتجذير حالة الديمقراطية داخل المجتمع ؟ فإجراءات الديمقراطية وترتيباتها ليست ضمانه لاحترام الحقوق المدنية والسياسية أو لتمثيل المصالح الشعبية، فقد تكون تلك الترتيبات والإجراءات واجهة لنشأة نظم تسلطية، ولا يقصد أصحاب هذا الرأى التهوين من قدر أو قيمة المفهوم الإجرائي للديمقراطية، فبدونه لا يوجد الأساس القانوني للنظام الديمقراطي. ولكن المقصود أنه لا يمكن قصر مفهوم الديمقراطية عليه لأنه إذا كان أحد أهم المآخذ على النظم التسلطية هو الظلم الاجتماعي، وعدم احترام الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، فإنه يكون من الضروري محاسبة النظام الديمقراطي الجديد وفقاً لالتزامه بتحقيق هذه الأهداف. ولعل في التطور التاريخي للدول العديد من النماذج التي تثبت أنه يمكن أن توجد الممارسات والترتيبات الديمقراطية بشكلها الظاهر ، دون الجوهر، فالانتخابات قد تؤدي إلى توفير الغطاء للنظم الاستبدادية لتصدر قوانين وقرارات تعتدي على الحريات العامة وتحد من حرية المؤسسات الشرعية في ممارسة دورها . وهو ما قد يمتد أيضا إلى قيام الحكومات المنتخبة بإصدار تشريعات تقّيد من حرية الرأى والتعبير، وتعيق نشاط مؤسسات المجتمع المدني، وغير ذلك من الممارسات التي تُهدر القيم الديمقراطية. فالقوانين الصادرة عن الهيئات المنتخبة قد تكون ملتزمة بالقواعد التي وضعها الدستور للتشريع من حيث الشكل، ولكنها تكون مخالفة لدورها الاساسي في تعزيز ثقافة ديمقراطية مدنية من حيث الموضوع والجوهر . وعليه فإن الديمقراطية هي ظاهر وجوهر ، وليست مجرد شكل للحكم، وهي تعني ما هو أوسع من مجرد ورقة تلقى في صندوق الانتخاب أو مقعد تحت قبة البرلمان ،حيث أنها تشمل مبادئ تتمثل في الحرية والمساواة التي تكفلها الدساتير الديمقراطية وحرية الرأي والعقيدة وحرية الاختيار وغيرها من الحريات العامة التي تكفلها الدساتير الديمقراطية وتنظمها القوانين في السعي لاقامة ثقافة ديمقراطية مدنية . وبالتالي فإنه لا ينبغي أبداً الإكتفاء بالتركيز على الجانب الإجرائي-الشكلي من الديمقراطية المتعلق بالحريات، وتنظيم الانتخابات، والفصل بين السلطات، وإنما ينبغي إضافة الجانب الموضوعي المرتبط بمحتوى السياسات العامة، فإقامة النظم الديمقراطية لا تكتمل بدون الانتقال من «الإجراءات» إلى «الموضوع»، ومن الشكل الى الجوهر . ومع ذلك فان احدا لا يستطيع ابدا ان يقلل من قيمة الديمقراطية بمعناها الاجرائي كمدخل لا غنى عنه لاقامة نظام ديمقراطي ثابت ومستقر ، فقدرة المجتمع على اختيار النظام الديمقراطي، مرتبطه الى حد كبير بما يملكه المجتمع من ثقافة ديمقراطية مدنية، وهذه الثقافة هي ثقافة مكتسبة ، يمتلكها المجتمع من خلال قدرته على الاختيار الحر بين متنافسين لديهم القدرة على التواصل مع الجماهير واقتاعهم بافكاره ورؤاه . هذا الاختيار الحر مرتبط بامكانية ان يخطأ الشعب مرة واخرى ولكن هذا الخطأ ايضا مرتبط بقدرة المجتمع على التعلم من اخطاءه واصلاحها في اي فعالية انتخابية تتاح له ،دون ان يرتبط ذلك ابدا باي محاولة من جانب فئة معينة لضرب الديمقراطية في شكلها الاجرائي بحجة عدم تمكن المجتمع من الثقافة المدنية الديمقراطية ، والتشكيك في قدرته على الاختيار الصحيح والمثالي ، فغير مطلوب من الشعب في اي مكان او زمان ان يكون اختياره مثاليا ولكن المطلوب فقط ان تكون القدرة على الاختيار الحر والدوري متاحة له . ان الحديث عن غياب الديمقراطية الموضوعية كمبرر لضرب الديمقراطية في شكلها الاجرائي هو حديث استبدادي في المقام الاول بل هو اشبه بمن يحاولون اعادة الساعة الى الوراء بالحديث عن الخبز اولا قبل الحرية ، وهي الرؤية التي قادت العديد من الاوطان الى مستنقع الفقر والجهالة فلا هم وجدوا ، ولا ذاقوا طعم الحرية . ان الديمقراطية لا تعني ابدا صندوق الانتخابات ولكني تعني ،بالاضافة الى ذلك ، التوافق بين ابناء المجتمع على الثقافة المدنية الديمقراطية ، ولكن ذلك يكون من خلال وجود نقطة بداية محددة لهذا التحول من مجتمع شمولي الى مجتمع ديمقراطي، هذه النقطة توافقت العديد من المدارس الفكرية الغربية والعربية على كونها ...... صندوق الانتخابات .

السبت، 3 أغسطس 2013

الى كل المصريين في الخارج

لا ضريبة بدون تمثيل (بالإنجليزية: No taxation without representation) كان شعارا و مبدئ رفعه مناصرو الانفصال في الولايات المتحدة الأمريكية أيام حرب الاستقلال الأمريكية عن لندن. حيث كانو يرون أنه من المجحف أن يدفعو ضرائب للندن دون أن يكون لهم تمثيل برلماني في البرلمان البريطاني. و قد كان يرون أن دفعهم للضريبة يشكل خرقا للماغنا كارتا. واليوم ونحن نمر بازمة سياسية طاحنة في مصر نتيجة لوجود انقلاب عسكري انحاز لفئة على حساب فئة اخرى واسقط اول نظام سياسي منتخب في تاريخ المصريين ، ولم يكفل اي ضمانة حقيقية لوجود تمثيل حقيقي للمصريين في الداخل والخارج .. ليس ذلك فقط بل بدأت تتداول على مسامعنا عن وجود سحوبات بمبالغ ضخمة من ودائع المصريين في صورة اقتراض من الحكومة من ودائع المصريين الذي جمعوا هذه الاموال بجهد وشقاء ما بعده شقاء .... لذا وازاء هذه السياسات العشوائية من جانب الحكومة الانقلابية وعدم وجود استعداد حتى الان من جانبهم للتنحي طواعية عن السلطة المنتخبة فإني اطالب المصريين في الخارج بما يلي : 1. التوقف عن ارسال أي اموال من جانب المصريين في الخارج للبنوك المصرية باعتبار ان هذه الاموال تحت ادارة غير رشيدة ومغتصبة للسلطة . 2. التوقف عن دفع اي ضرائب مستحقة على المصريين في الخارج . 3. الاكتفاء فقط بارسال ما يكفي لاهلنا في مصر من اموال على ان يكون الارسال اما من خلال مكاتب صرافة خاصة او مصريين في طريقهم للسفر لمصر لقضاء اجازتهم هناك . 4. ان يكون ارسال الاموال فقط بالعملة المصرية دون اي عملة اخرى . وفي النهاية انصح كل المصريين في الخارج بالعمل على افشال الانقلاب في مصر بكل الوسائل بما يكفل لنا اقامة نظام مدني ديمقراطي منتخب .